محمد هادي معرفة
172
التمهيد في علوم القرآن
ونرافقهم في هذا الشأن ، غير أنّ جهة الإعجاز البياني للقرآن - على ما سنذكر - لا تنحصر في جودة سبكه وروعة نظمه ، والوفير من بدائع المحسّنات اللفظية . إنّ هذا كلّه إنّما هو جزء سبب لروعة القرآن الباهرة . . . وإنّ وراءه سببا آخر أقوى هو كامن وراء هذا القالب الجميل ، هي : خلابة روحه ، ونسمة روحه . فخامة معنى في أناقة تعبير . وهما مجتمعين وليدان توأمين ، الأمر الذي يعزّ وجوده ، بل ينعدم في كلام غيره ، ولا سيّما مع هذا الإطناب في الكلام والتنوّع في المرام ، ميزة خصّ بها القرآن الكريم . وبعد . . فإليك بعض النقاش مع دلائل القوم في ظاهر المقال : 1 - ليس في كلام العرب ما يضاهي القرآن : فإذ كانت روعة القرآن منبثقة من تلاحم في جمال لفظه مع جلال معناه ، ومن بديع صورته مع كبرياء محتواه ، فأين - يا ترى - يوجد له مثيل في مثل هذه الرفعة وذلك الشموخ ؟ ! نعم سوى شؤون كانت مبتذلة ، ومعان كانت هابطة وساقطة إلى حدّ بعيد . . كانوا يتداولونها ! ولمقارنة عبرى بين آيات من الذكر الحكيم ، وأروع مقطعات العرب لتكفي شاهدا على ذلك البون الشاسع ! جاء القرآن بسبك غريب على العرب ، وعجيب على الناس أجمعين ، لا هو شعر ولا هو نثر كنثرهم ، نثر في خاصيّة الشعر ، لا هدر سجع ، ولا هذر كهانة ، حلو رشيق ، وخلوب رفيع . إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، إنّه يعلو وما يعلى . وإنّه ليحطم ما تحته ! كلام قاله عظيم العرب وخلاصتها الفذ الفريد الوليد ! « 1 » .
--> ( 1 ) نعم نسب إلى الجعد بن درهم ( مؤدّب مروان بن محمد الملقّب بالحمار ، آخر خلفاء بني اميّة ) القول بأنّ فصاحة القرآن غير معجزة ، وأنّ الناس يقدرون على مثلها ، وعلى أحسن منها . . قيل : هو أوّل من صرّح بذلك ، وتجرّأ عليه . قال الأستاذ الرافعي : ولم يقل بذلك أحد قبله . ( الاعجاز : ص 144 ) .